الفرصة الاقتصادية

إن مدينة باترسون هي المكان الذي اختاره أول وزير خزينة أمريكي لإطلاق ما أصبحنا نسميه الحلم الأمركي. وصل الكسندر هاملتون الصغير إلى نيويورك من جزيرة كاريبية بدون نقود لكنه أصبح أكثر القادة احتراماً في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية. وبما أنه شهد المعاملة البربرية التي تلقاها الرقيق في الجزر الكاريبية، فقد كان أكثر الآباء المؤسسين المتحمسين والمدافعين عن مناهضة الاسترقاق. وعمل على تأسيس اقتصاد لا يعتمد على الاسترقاق بل على الحرية، ولا يكافيء الحالة الإجتماعية بل الجد في العمل، ولا يبيح التمييز ضد البعض بل يعطي فرصاً متكافئةً للجميع.

في مدينة باترسون، وضَع هاملتون إيمانه الراسخ بالكفاءة وتَبني الجد في العمل والإنجازات الشخصية موضع التنفيذ. وربما لأن هاملتون وُلِد من زواج غير شرعي لأم محدودة الموارد في جزيرة نيفايس (Island of Nevis)، رفض المعايير الثقافية التي كافأت الأغنياء فقط لقاء حالة عائلاتهم الإجتماعية.

لقد عمل هاملتون على تأسيس اقتصاد في مدينة باترسون تقوده عمالة من الرجال والنساء الأحرار بدلاً من الرقيق، ومجتمع يكافيء الجد في العمل بدلاً من الامتيازات المتوارثة. وكَتَبَ عن مزايا التصنيع الذي يجب أن يبدأ في مدينة باترسون:  

الإكثار من توظيف طبقات المجتمع التي لا تتعاطى عادة مع الأعمال التجارية. وتشجيع الهجرة من الدول الأجنبية. وتوفير مجال أكبر للمواهب المتنوعة والقدرات التي تميّز الرجال عن بعضهم.

وقال، رون تشيرنو (Ron Chernow)، كاتب سيرة هاملتون مؤخراً "بإمكان الرئيس أوباما (Obama) أن يستخدم هذه اللغة حرفيا في خطاباته".

على عكس قرى الطواحين في نيوإنجلند (New England) التي بنتها النخبة الغنية في بوسطن (Boston)، وفرت مدينة باترسون تماماً نفس الفرص التي سعى إليها هاملتون. فصناعاتها لم توفر فقط وظائف من المستوى الأولي بل أيضا أتاحت للمهاجرين الفقراء فرص حقيقية للإرتقاء إلى قمة المجتمع. لقد درس المؤرخ الاجتماعي المشهور هيربورت غوتمان (Herbert Gutman) أصحاب الطواحين الرئيسية في مدينة باترسون دراسة منهجية واستنتج أن "وعدْ  الفقراء بالغنى ليس ضرب من الخرافة في مدينة باترسون".

وتعقيباً على البحث الذي يضم سلسلة من المقالات في المجلة العلمية الأمريكية (Scientific American)  في منتصف القرن التاسع عشر، كتب غوتمان:

في سياق بحث المجلة العلمية الأمريكية (Scientific American) عن تعميم اجتماعي بسيط تصف به هؤلاء الرجال، امتدحت المقاولين الأوائل في مدينة باترسون بالكلمات التالية: "في الولايات الشرقية، تم بناء المدن المزدهرة من قبل شركات الرأسماليين الأغنياء ..... بينما في مدينة باترسون، كان الأمر مختلفاً. فبإستثناء عدد قليل، كانت تقريبا ً البداية المالية لكل صاحب صناعة، من الصفر ثم وَسَّع مؤسسته حسب السرعة التي توفرت فيها الفضة في محفظته". إن المجلة العلمية الأمريكية لم تقترف ذنباً أو تتشدق بكلمات منمقة مجردة من المضمون أو تنشر أنشودة شكر تقليدية لبطل خفي "الرجل العصامي" بل قدمت وصفاً دقيقاً لصُناع محركات لوكوموتف، والحديد، والآلآت الذين نجحوا في تلك الحقبة وأن ما كتبته المجلة العملية الأمريكية ينطبق كذلك على مجموعة عام 1840، وعام 1880، وعام 1859.

وعطفاً على المعنويات التي تركتها وجهات نظر هاملتون الرنانة والمناهضة للاسترقاق، أصبحت مدينة باترسون مرحلة هامة في محطات السكك الحديدية التحت أرضية في القرن التاسع عشر. وكما كتب أحد المؤرخين: " لقد كانت هذه البلدة "محطة" معروفة جداً على الطريق تلقى فيها الرقيق الهاربين من الجنوب المساعدة في طريقهم إلى كندا وإلى الحرية .... كان الرجال المناهضين للاسترقاق في مدينة باترسون .... مستعدين لتحمل مخاطر كبيرة لقاء معونتهم الفارين في رحلتهم إلى نجم الشمال" (North Star). فقد فر فردريك دوغلس (Frederick Douglass)  من خلال مدينة باترسون في عام 1859 أثناء هروبه إلى الشمال عندما حام حوله الشك في أنه شارك في إغارة جون براون (John Brown).